ابن قيم الجوزية

39

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين بردّ أحاديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة ، كما ردّوا أحاديث الرؤية وأحاديث علوّ اللّه على خلقه ، وأحاديث صفاته القائمة به ، وأحاديث الشفاعة ، وأحاديث نزوله إلى سمائه ، ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده ، وأحاديث تكلّمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة ، إلى أمثال ذلك ، وكما ردّت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها ، وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة ، وكما ردت المعطّلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية ، وكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق . وكلّ من أصّل أصلا لم يؤصله اللّه ورسوله ، قاده قسرا إلى ردّ السنة وتحريفها عن مواضعها ، فلذلك لم يؤصل حزب اللّه ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول ، فهو أصلهم الذي عليه يعوّلون وجنّتهم التي إليها يرجعون . ثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى . فقالت فرقة : إنما حجّه لأن آدم أبوه ، فحجه كما يحج الرجل ابنه . وهذا الكلام لا محصّل فيه البتة ، فإن حجة اللّه يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ، ولو حجّ الرجل أباه بحق ، وجب المصير إلى الحجة . وقالت فرقة : إنما حجّه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة ، وهذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه ، وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل اللّه شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم .